مهرجان يشبه كل شيء إلا المذرذرة(مقال راي)

تنادى الجمع إلى مهرجان أطلقوا عليه "مهرجان المذرذرة الدولي" ولو أنصف الدهر كان سيكون أكبر من ذلك بكثير، فهو مهرجان أول مقاطعة إدارية في الوطن، مقاطعة الطرافة والأدب، المدينة الولادة، مدينة النخبة والعلماء والمشايخ والصالحين والأدباء والفلاسفة، فهي مدينة علامة زمانه بل علامة كل زمان ومكان، العلامة محمد اليدالي والعالم الصالح محصن باب ولد اعبيد والولي محمذن ولد محمودا وحمدا ولد التاه والفيلسوف جمال ولد الحسن.. 
حري إذا بالقائمين على هذا المهرجان أن يدركوا حقيقة ما كلفوا به، فهو أمر ليس باليسير، فقد حملوا مشعل الثقافة لمدينة الثقافة وعاصمتها بلا منازع.
على سهول الصنكة، خطا فطاحلة العلم والأدب والشعر، وعلى أديم وديانها ورمالها الشاهقة دارت رحى معارك ضارية، قادها المغاوير من أبنائها ضد المستعمر الغاشم؛ فكتبوا تاريخ مقاومة هذه المدينة، المعزولة إلى زمن قريب، بحروف من دمائهم الزكية والطاهرة، فمن هنا مر الأمير البطل أحمد ولد الديد والقائد الشيخ ولد لجرب، وولد الديك والرجل السريع المختار السالم ولد بركام.
من يريد أن يعكس الصورة الحقيقية لهذه المدينة، سيرتبك ولن يعرف من أين يبدأ:
هل يبدأ برجالات دينها المبهرين من الصلحاء والمشايخ والحكماء؟
أم بنسائها العالمات الشاعرات والأديبات؟ 
أم بقاماتها الأدبية الشعبية السامقة، من أمثال القاضي ولد انكذي وأحمدو ولد الميداح وولد مانو وولد اجريفين وولد الشويخ..؟
أم بأطرها البارزين من رجالات الدولة، ممن حملوا اسمها بنزاهة وحكمة إلى مواقع القرار والمسؤولية؟
أم يترك كل ذلك، ويتحدث عن ثقافة أهلها الخاصة ومداعباتهم الرشيقة والخفيفة، وحسهم المرهف، وعمقهم في الحديث وفي التفكير(اتكيدي).
فهل كان من أُسندت إليهم مهمة تنظيم هذا المهرجان واعين حقا بحجم التحدي والمسؤولية؟
أكيد أن الجواب على هذا السؤال، والأسئلة السابقة، يتطلب أولا قبل كل شيء المعرفة بما جرى حتى يصبح في الإمكان الحكم عليه، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وما نقل عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، يوحي بالنظر للمستقبل بتوجيه من مشاكل الماضي وصراعاته، وجعل الحاضر مشغولا بمشاكل الماضي.
وعليه؛ فربما لا نجانب الصواب ولانكون مبالغين، إذا قلنا من دون مواربة ولا مجاملة، إن القائمين على تنظيم هذا المهرجان قد انحرفوا انحرافا بينا عما كان ينبغي أن يقدم، واختاروا السباحة عكس ما تفرضه هوية المكان وعمقه الثقافي، فخرج المهرجان بصورة مشوهة لا تمت بصلة إلى ثقافة أهل المذرذرة، ولا تعبر عن مستواهم المعرفي والتاريخي.
لقد طغى الحديث عن التوازنات الضيقة، وجمع التبرعات، وتدقيق الحسابات، على حساب الجوهر الثقافي للمناسبة، فاستأثر بالمساحة الأكبر من زمن المهرجان وصخبه، وهو ما يكشف خللا واضحا في تقدير الأولويات وسوء فهم لطبيعة المهمة.
وبهذا، لم يغترب المهرجان عن واقعه فحسب، بل جرى اختطافه من روحه وأهدافه، فغاب أهله الحقيقيون، وأُقصي أصحاب الرأي والمعرفة فيه. وكانت الحصيلة فشلا لا لبس فيه، وانحدارا حادا أقرب إلى سقوط حر، بلغة الفيزياء، لا إلى تعثر عابر يمكن تجاوزه.

القاهرة: 29-12-2025
الداه ولد باب 
كاتب وباحث
[email protected]