الوكالة القضائية للدولة: خيار إصلاحي للدفاع عن مصالح الجمهورية ومشروعية العمل الإداري(مقال رأي )

يشكّل إنشاء الوكالة القضائية للدولة منعطفا حاسما في مسار إصلاح منظومة الدفاع عن مصالح الدولة، وخطوة متقدمة طال انتظارها لوضع حد لحالة التشتت والارتجال التي وسمت، لسنوات طويلة، تمثيل الدولة أمام القضاء، وما ترتب على ذلك من هدر للمال العام، وإضعاف لهيبة الإدارة، وتشويه لمبدأ المشروعية.
فالوكالة القضائية للدولة، بصفتها مؤسسة عمومية ذات طابع إداري خاضعة لوصاية وزارة المالية، لم تُنشأ كهيكل شكلي إضافي، بل كأداة قانونية مركزية لتكريس دفاع مهني منظم لصالح الدولة. وقد عبرت المادة الثانية من المرسوم رقم 071/2023 بتاريخ 19 أبريل 2023 بوضوح عن هذا التوجه، حين نصت على أنه: "دون المساس بالأحكام التشريعية المعمول بها، فان المهمة الرئيسة للوكالة القضائية للدولة هي منع النزاعات، وتسوية كافة القضايا الخلافية التي تكون الدولة طرفا فيها أمام الهيئات القضائية أو التحكيمية الوطنية والدولية والتكفل بها"، وهو خيار تشريعي يعكس وعيًا متقدما بأن الدفاع الحقيقي عن الدولة يبدأ قبل نشوء النزاع، لا بعد فتح القضايا أو صدور الأحكام.
وبحسب المادة الثالثة من نفس المرسوم المنظم للوكالة فإن لها اختصاصات واسعة تتمثل في مركزة النزاعات، وتلقي الدعاوى، وتنسيق الدفاع، ومتابعة التنفيذ، وتقديم الاستشارات، وهي الجهة الوحيدة المؤهلة قانونا لتمثيل الدولة تحت طائلة البطلان، بما ينهي مرحلة الفوضى وغياب التنسيق، التي طبعت المراحل السابقة لوجود الوكالة.
فقد عرفت البلاد، قبل إنشاء الوكالة القضائية، وضعية غير مقبولة، كانت فيها الدولة الطرف الأضعف في الكثير من القضايا التي ترفع ضدها. حيث كان تمثيلها القضائي يُدار في الغالب بطريقة ارتجالية، من خلال تعاقدات غير منسقة مع محامين، خارج أي معايير موضوعية ومهنية، الأمر الذي فتح الباب أمام الزبونية، وأضعف جودة الدفاع، بل أدى أحيانا إلى غياب تام لممثل الدولة عن الجلسات، رغم التبليغ القانوني. ولم يكن من المستغرب، في ظل هذه الظروف، أن تصدر أحكام ضد الدولة، لا لقوة حجج الخصوم، أو وجاهة مطالبهم، بل لغياب الرد، أو الإهمال، وتقصير الدفاع عن بذل العناية المطلوب قانونا.
إن هذا الواقع لم يكن يمس فقط مصالح الدولة المالية، بل كان يُشكل تهديدا حقيقيا لمبدأ المشروعية، ويقوّض الثقة في أعمال الإدارة، ويحول القضاء أحيانا، دون قصد، إلى أداة لإلغاء بعض الأعمال الإدارية المشروعة، والتي كان يمكن تداركها بدفاع جاد ومسؤول.

أما اليوم، ومع مباشرة الوكالة القضائية للدولة لمهامها سنة 2024، تحت إشراف المدير العام للوكالة القضائية النقيب السابق للمحامين الأستاذ محمد ماء العينين الخليفة ، فقد تغيّر المشهد بوضوح، وتمت دراسة كل الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة وإحالتها للتنفيذ، ولم يعد من المقبول – ولا من الممكن – أن تُترك دعوى مرفوعة ضد الدولة دون رد، أو أن تُبنى أحكام على صمت الإدارة، وأضحى الدفاع عن الدولة عملًا مؤسسيًا محكومًا بالتتبع والمساءلة، وهو ما انعكس مباشرة على نوعية الأحكام الصادرة، وعلى تراجع نسبة الإدانة، وعلى تحسن قابلية التنفيذ، بعد أن كانت بعض الأحكام تمثل عبئًا قانونيًا وماليًا بسبب ضعف تأسيسها الواقعي والقانوني.
ولا يقل الدور الاستشاري للوكالة أهمية عن دورها الدفاعي، إذ أسهمت، من خلال تقديم الرأي القانوني المسبق، في تنبيه الإدارات إلى المخاطر المحتملة، وتحسين صياغة بعض القرارات والعقود، والحد من النزاعات قبل وقوعها، مما يجعلها فاعلًا محوريًا في ترسيخ دولة القانون، وتعزيز حماية شرعية الأعمال المادية والقانونية للدولة.
وليس من الصدفة أن يوصي غالبية المشاركين في ورشات المصادقة على مسودة مشروع تعديل قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية المنظم من طرف وزارة العدل أيام 13/14/15 يناير 2025، بضرورة تقنين دور الوكالة القضائية للدولة صراحة في النص الجديد للمدونة، وتعزيز مواردها البشرية واللوجستية، إدراكا منهم بأن حماية مشروعية أعمال الدولة لا يمكن أن تتحقق دون جهاز قوي، مستقل وظيفيًا، ومحصّن قانونيا.
فأي دعوة – صريحة أو ضمنية – إلى تهميش الوكالة، أو الالتفاف على اختصاصاتها، أو الحنين إلى مرحلة ما قبل إنشائها، لا يمكن قراءتها إلا باعتبارها دفاعًا عن ممارسات ثبت فشلها، وخدمةً لمصالح ضيقة لا تنسجم مع متطلبات حماية المال العام ولا مع بناء دولة المؤسسات، وحماية مبدأ المشروعية.
ومن هذا المنطلق، وبناء على ما سبق، فإن تثمين تجربة الوكالة القضائية للدولة، وتعزيز قدراتها البشرية والمادية ، وتعاون الجهات المعنية معها، ليس ترفًا إداريًا، بل خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه،  لتوفير الحماية القانونية للأعمال المادية والقانونية للدولة، وحماية مصالحها، وصون هيبتها ، وضمان وجود دفاع مهني وجاد عن مصالحها، بما ينسجم مع مسار الإصلاحات القانونية والمؤسسية التي تشهدها البلاد بتوجيهات سامية من فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، وتحت إشراف وتنسيق حكومة معالي الوزير الأول المهندس المختار أجاي.

الدكتور الشيخ سيد المختار ابوه، أستاذ القانون الإداري بجامعة انواكشوط، وعضو مجلس الهيئة الوطنية للمحامين.