داكار - خاص
في تطور سياسي لافت وغير مسبوق، أقدم الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي، مساء اليوم الاثنين، على اتخاذ قرار جريء بتجاوز الأغلبية البرلمانية التي يقودها خصمه اللدود عثمان سونكو، معلناً إحالة مشروع التعديلات الدستورية المثير للجدل إلى استفتاء شعبي مباشر، في خطوة وصفتها أوساط سياسية بأنها "فصل جديد" من الصراع على سلطة المؤسسات في أبرز ديمقراطيات غرب إفريقيا.
وجاء الإعلان الرئاسي على لسان وزير العدل مولاي موسى سار، خلال جلسة برلمانية شهدت توتراً غير مسبوق، حيث أفاد بأن الرئيس فاي قرر تفعيل المادة 103 من الدستور، التي تخول له عرض أي نص تشريعي تم إقراره في البرلمان على استفتاء الشعب للفصل فيه نهائياً. وجاء هذا القرار رغم إقرار الجمعية الوطنية (البرلمان) للنص بأغلبية مريحة بلغت 129 صوتاً مقابل 165، في جلسة قاطعتها كلياً كتل المعارضة احتجاجاً على ما وصفته بـ"التلاعب بالإجراءات".
ما الذي تريده التعديلات؟ ولماذا الرفض الرئاسي؟
تنص التعديلات التي تقدم بها حزب "باستيف" الحاكم في البرلمان، بزعامة عثمان سونكو، على إعادة هيكلة جذرية للسلطات، أبرزها إنشاء محكمة دستورية مستقلة بدلاً من المجلس الدستوري الحالي، وتوسيع صلاحيات لجان التحقيق البرلمانية لمنحها قدرة على مساءلة الحكومة، والأكثر إثارة للجدل هو البند الذي يمنع رئيس الجمهورية من قيادة أي حزب سياسي، بالإضافة إلى تقييد صلاحياته في حل البرلمان.
وفي حين يرى سونكو وأنصاره أن هذه التعديلات تمثل "نقلة نوعية نحو جمهورية برلمانية متوازنة"، أكد وزير العدل أن الرئيس فاي أبدى تحفظات فنية عميقة على عدد من المواد، محذراً من أن منع الرئيس من قيادة حزبه قد يخلق "فراغاً سياسياً ويُضعف شرعية القرار التنفيذي"، كما اعتبر أن تقييد حق حل البرلمان يُخرج الورقة الدستورية الأخيرة من يد الرئيس في مواجهة أي انسداد سياسي. وبعدما رفض البرلمان التعديلات المقترحة من الرئيس، لجأ فاي إلى خيار الاستفتاء باعتباره "الملاذ الأخير لإرادة الشعب"، على حد تعبير المصادر الرسمية.
أجواء مشحونة واقتحام فاشل للبرلمان
لم تخلُ الجلسة من مشاهد احتجاجية مثيرة، إذ شهدت طرد النائب المعارض البارز عبدو مباو من القاعة الرئيسية على يد قوات الدرك، بعد رفضه الانصياع لأوامر المغادرة، وهو ما دفع زملائه في المعارضة إلى الانسحاب الجماعي واحتجاجهم على ما أسموه "أساليب البوليس السياسي". وفي الخارج، تصاعدت الأمور بشكل أكبر، حيث تجمهر نحو 50 من أنصار حزب التحالف من أجل الجمهورية (المنتمي للرئيس السابق ماكي سال) أمام مدخل البرلمان، محاولين اقتحام المبنى، ما استدعى تدخل قوات الأمن التي أطلقت الغاز المسيل للدموع لتفريقهم، وأسفرت المواجهات عن إلقاء حجارة وإصابة عدد من المحتجين وحالة من الفوضى في محيط المؤسسة التشريعية.
صراع "الرجل القوي" و"رئيس البرلمان"
يرى مراقبون سياسيون في العاصمة داكار أن هذه المواجهة الدستورية ليست سوى الحلقة الأحدث في مسلسل الصراع بين الرئيس فاي ورئيس البرلمان عثمان سونكو، الذي كان يشغل منصب الوزير الأول (رئيس الوزراء) قبل إقالته قبل أشهر، ليُنتخب لاحقاً على رأس السلطة التشريعية. ويُعتقد أن مشروع التعديلات الدستورية يحمل في طياته رسائل سياسية موجهة ضد صلاحيات الرئيس الحالي، ويراه خصوم سونكو محاولة لتقويض سلطة فاي رداً على إقالته السابقة، لا سيما وأن سونكو ما يزال يسيطر على الأغلبية المطلقة في البرلمان.
وفي ظل هذا الجمود المؤسسي، يبدو أن الكرة اليوم في ملعب الناخب السنغالي، حيث لم تحدد الحكومة بعد جدولاً زمنياً للاستفتاء، لكن المؤكد أن هذه المعركة الانتخابية المقبلة ستكون بمثابة استفتاء على ثقة الشعب في كل من الرئيس ورئيس البرلمان معاً، في مشهد يعد الأول من نوعه في تاريخ السنغال الحديث الذي يشهد منذ سنوات تحولات سياسية عميقة.
