كل يومٍ تقريباً ينتظر الإعلاميون، وتنتظر الدول، بدء الحرب الأميركية على إيران. وما عاد الكثيرون يتذكرون ما هي المطالب الأميركية من إيران، والتي تقتضي الحرب إن لم تتحقق! فقد كان الحديث الدائم عن النووي حتى ضربة الاثني عشر يوما المشتركة بين إسرائيل وأميركا. بعدها تشعب الحديث بين الباليستي، والأذرع بالعراق، ولبنان، واليمن. وأخيراً وبعد نشوب المظاهرات بإيران أصرّ الرئيس الأميركي على ضرب النظام الإيراني إن لم تتوقف أعمال قتل المتظاهرين!
ما عادت هناك دول حليفة، وأخرى ذات خصومة مع أميركا. فأميركا ترمب لديها مسافة من كل الدول، ولها مطالب من كل الدول، وإن تفاوتت في الضخامة، والثقل. لكنّ هذا المقياس لا يجدي دائماً، فبالطبع المطالب من الصين أعلى وأثقل من المطالب من كندا، أو فنزويلا، أو المكسيك. ومع ذلك عندما لم تستجب كندا وفنزويلا بالسرعة التي أرادها الرئيس هدَّد كندا بالغزو والضمّ لأميركا، وهدَّد بفرض جمارك مائة في المائة على السِّلَع الكندية الداخلة للولايات المتحدة. أما فنزويلا التي لم تستجب للشروط بسرعة، فقد اختطف الأميركيون رئيسها وزوجته، وجلبوهما لنيويورك للتحقيق، والمحاكمة بتهمة صناعة المخدرات، وتهريبها، وخدمة المصالح الإيرانية، والكوبية، والبوليفية المعادية للولايات المتحدة!
وهكذا، فالعالم بالنسبة للرئيس ثلاثة أقسام: الدول الضعيفة، أو التي يعتبرها كذلك، وهذه معرَّضة للغزو إن لم تخضع، فهو يمتدح الإدارة الفنزويلية الحالية لتعاونها في إعطاء الأميركان مفاتيح البترول. والقسم الثاني: الدول المتوسطة، مثل الحلفاء الأوروبيين، والهند، وأستراليا، واليابان، والبرازيل. والرئيس مستعد لإجراء مفاوضات سريعة معهم، وإن لم يستجيبوا -في مثل حالة جزيرة غرينلاند مع الدنمارك، أو صنع المسافة من أوكرانيا، وفي حالة الهند عدم استيراد البترول من روسيا-، فهو مستعد لفرض رسومات عالية، ودائماً على الواردات إلى أميركا. أما القسم الثالث، أو الفريق الثالث، فهو محدود، ويمكن أن يُحدَّد بالصين، وروسيا... وبريطانيا. لكنّ البريطانيين افترقوا عن ترمب مؤخراً. وصحيح أن الرئيس يهدد الصين وروسيا أيضاً، إنما في الحقيقة لا حيلة عنده غير التفاوض اعتماداً على المصالح الضخمة لهذين القطبين مع الولايات المتحدة، والتي لا يمكنهما تجاهُلَها، وإن كانوا يمتلكون عناصر للتوازن، أو الإرغام على التنازُل للوصول في النهاية إلى تسوية.
ما هي عِلَل هذه السياسات الاستراتيجية الجديدة، والتي بدأت معالمها تبرز في ولاية الرئيس الأولى؟
توماس فريدمان الكاتب البارز بـ«نيويورك تايمز» يذهب إلى أنّ الرئيس مجنون بذاته، وهو مصرٌّ على هذه التصرفات الغريبة التي تعني عبادة الذات. لكن لنفترض أنّ ذلك صحيح؛ فإنّ أكثريةً أميركيةً لا تنتخبه للرئاسة مرتين لأنه عابدٌ لذاته. فهناك متغيراتٌ بارزةٌ في المجتمعات الغربية الأوروبية، والأميركية. كثيرون جداً من متوسطي الدخل وصغيره يفتقدون إلى أمن الحاضر، والمستقبل، ويرون العِلّة في المهاجرين إليهم من شتى بقاع العالم. كما يرون أنّ هذه الإدارات الضخمة للدول تأكل مداخيلهم بسياساتها الليبرالية. وكلُّ ذلك يقول به ترمب، وينسبه لاستغلال العالم لسياسات الحكومات الديمقراطية الفاسدة. الدَّين الأميركي وصل إلى مبالغ خيالية بالفعل، وترمب يريد استعادة الأموال من الدول التي استغلّت الكرم الأميركي، وفي الطليعة الأوروبيون، و«الناتو». ولأنه يريد استعادة التكنولوجيا الأميركية للداخل، فهو يصطدم أيضاً بالشركات الأميركية الكبرى التي وزعت مصانعها ومصالحها بالخارج، لرخص الأيدي العاملة، والتجهيزات الأخرى. وهو يراهن على أمرين: استغلال موارد وثروات الدول التي تحتاج لأميركا، وتخويف القادرين بضخامة القوة العسكرية الأميركية الهائلة.
العالم شديد الترابط، وقد اعتاد الأغنياء والفقراء على حرية انتقال السِّلَع، والأموال، والأشخاص، واعتبروا أنّ ذلك هو العولمة. ولذلك الكل متفاجئ كثيراً أو قليلاً، ويبحث عن مخرج. ليست هناك حتى الآن مساعٍ حقيقية لتحالفات مضادة، وعديدون يعتقدون أنهم يستطيعون إرضاء ترمب بوسائل معينة. أما هو فيزداد إصراراً على الإغارات، والاستغلالات، لتعذر قيام جبهة أو جبهات مضادة حتى الآن. وهناك أمران ينبغي أخذهما بالاعتبار، الأول منهما أنّ دولاً كبرى ووسطى يقوم اقتصادها ونموّها على التبادل مع أميركا، ولذلك لا تستطيع معاداتها، إذ لا بديل لديها عن السوق الأميركية. والأمر الثاني -أو الآخر- أنّ قوة أميركا العسكرية ما عرف التاريخ لها مثيلاً، فيخشاها الصغار، والأوساط، ويخضعون، ويتردد الكبار في المجازفة!
إنّ الطريف إعلان ترمب الدائم عن هدفين: أميركا أولاً، والإقدام الأميركي على فرض السلام في العالم... ولو بالحرب! إنما المشكلة أنه لا حدود معروفة لأولوية أميركا، وأنّ الحرب ليس من الضروري أن تصنع السلام!
رضوان السيد
