عندما يحتدم القول في رجلٍ يتصدر موقع القيادة، تضطرب الموازين، وتتزاحم الأصوات حتى يكاد الحق يلتبس بظلاله، ويغيب وجه الحقيقة خلف غبار اللحظة. غير أن من الرجال من لا يُدرك قدره في صخب الجدل، ولا تُقاس مكانته بحدة ما يُقال فيه، بل بما يثبت من أثره في ميزان الزمن، وبما يستقر من سلوكه في ضمير الناس، حيث لا تصنع القيم للاستعراض، بل تنمو في هدوء حتى تصير طبعاً وسجية.
وفي هذا السياق، تبدو شخصية محمد ولد الشيخ الغزواني أقرب إلى طرازٍ من القيادة يأبى العجلة في إثبات الذات، ولا يرى في رفع الصوت برهاناً على الحضور، بل يميل إلى سكينةٍ واعية، تُراكم أثرها رويداً، كأن صاحبها يفقه أن السياسة ليست ميدان خطابة، بل ميدان صبرٍ وبصيرة، وأن ما يبقى من الرجال ليس صدى الكلمات، بل صدق الأفعال.
أما ما يثار من نقد، ومنه ما صدر عن فرقة “أولاد لبلاد”، فإنه يعكس حالاً من أحوال المجتمع حين تتداخل دوائر التعبير، فيلتقي الفن بالسياسة، ويتحول الغناء إلى أداة احتجاج. غير أن ذلك لا يعفي من التمييز بين نقدٍ يرتقي بالذوق ويخدم الفكرة، وبين خطابٍ ينحدر إلى ما لا يليق، إذ الفن الموريتاني – في أصوله – كان أقدر على الجمع بين جرأة القول ونبل العبارة، دون أن يفقد توازنه أو ينزلق إلى الابتذال.
ومع ذلك، فإن ما يُطرح من ملاحظات لا ينبغي أن يُهمل، إذ يعكس شعوراً قائماً لدى فئة من الرأي العام. ومن أبرز ذلك ما يُؤخذ على الرئيس من ميله إلى الصمت في لحظات ينتظر فيها الناس خطاباً مباشراً. غير أن هذا الصمت – في قراءةٍ أعمق – ليس خلوّاً من الموقف، بل هو وجهٌ من وجوه التدبير، حيث يميز صاحبه بين ضجيجٍ عابر لا يستحق الوقوف عنده، وبين ما يستوجب النظر والتقدير، فيجعل من الصمت فسحةً للفكر لا فراغاً في المعنى.
وكذلك ما يُقال عن بطء وتيرة الإصلاح، فهو قولٌ مفهوم من حيث التطلع، لكنه يغفل طبيعة السير في أرضٍ معقدة، لا تحتمل القفز على مراحلها. فالإصلاح – في مثل هذه البيئات – إن لم يُبنَ على التدرج، أفضى إلى خللٍ أعظم مما يُراد إصلاحه، وكأن الرجل اختار طريقاً أقل جلبة، وأثبت أثراً، وإن بدا أطول مسافة.
أما حضوره الإعلامي المحدود، في زمنٍ تُدار فيه المعارك بالصورة والكلمة، فقد يُقرأ على أنه غياب، لكنه قد يكون – في وجهٍ آخر – تعبيراً عن قناعة بأن المصداقية لا تُصنع بكثرة الظهور، بل بما تشهد به الوقائع، وأن الإفراط في الخطاب قد يُنقص من رصيد الفعل أكثر مما يزيده.
وفي الحديث عن محيطه، وما يُثار حول ضيق دائرته، فإن مثل هذا القول يتكرر في تجارب كثيرة، غير أن النظر إليه بمعزل عن طبيعة الدولة وتركيبتها الاجتماعية يفضي إلى حكمٍ ناقص، إذ قد تقتضي بعض المراحل قدراً من الانسجام الداخلي، قبل التوسع الذي لا تُحمد عواقبه إن جاء بغير تقدير.
أما في أخلاق الرجل، فتبدو سمات لم تصنعها السلطة، بل كشفت عنها؛ تواضعٌ هادئ، لا يُتكلّف، ولينٌ في العبارة، لا يُضعف المعنى، كأن في سلوكه صدى قوله تعالى:
"وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً"
وهو هونٌ لا يدل على ضعف، بل على اتزانٍ يعصم صاحبه من الانجرار إلى ما لا يليق.
وأما ذكاؤه، فليس من ذلك الذي يطلب لفت الأنظار، بل من ذاك الذي يعمل في العمق، يقرأ مآلات الأمور، ويتجنب ما يبرق في ظاهره ويثقل في عاقبته. وهو ذكاءٌ لا يُدرك في حينه، لكنه يظهر حين تنكشف النتائج، ولعل في معناه ما يلامس قول المتنبي:
"وإذا كانت النفوس كباراً
تعبت في مرادها الأجسام"
وأما وطنيته، فلا تُختزل في شعار، بل تُرى في حرصه على تجنيب البلاد مسالك التوتر، وفي سعيه إلى إبقاء الدولة إطاراً جامعاً، لا ميدان تنازع، وهو معنى يلتقي مع قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"
وخلاصة الأمر، أن هذه الشخصية لا تُقرأ من زاوية واحدة، ولا تُختزل في حكمٍ قاطع، إذ تقوم على توازنٍ دقيق بين الحزم واللين، وبين الصمت والنطق، وبين التواضع خُلقاً، والقوة ضرورة. وبين نقدٍ مشروع يُقوّم المسار، وخطابٍ متشنج يفقد وزنه حين يفقد معاييره. فإذا انقشع غبار الجدل، لم يبقَ من الضجيج إلا ما تلاشى، وبقي من الرجال ما ثبت: أثرٌ في الأرض، وموقفٌ في ميزان الوطن.
حين يتكفّل الفعل بما تعجز عنه الضوضاء..غزواني في ميزان النقد البناء (مقال رأي)
