موريتانيا على مفترق الأرقام… بين توازن هش وفرص صعود إقليمي

تضع المؤشرات الاقتصادية والديموغرافية موريتانيا في قلب مقارنة إقليمية واسعة مع جيرانها المباشرين: السنغال ومالي من الغرب، والمغرب والجزائر من الشمال، في مشهد يظهر بوضوح أن حجم الاقتصاد لا يعكس دائما مستوى التوازن المالي أو نصيب الفرد من الثروة.
على مستوى الحجم السكاني والاقتصادي، تتصدر الجزائر المشهد الإقليمي بـ 46.8 مليون نسمة وناتج محلي إجمالي يبلغ 269 مليار دولار (المرتبة 51 عالميا)، ما يجعلها الاقتصاد الأكبر في العينة المقارنة. 

تليها المغرب بـ 38.1 مليون نسمة و161 مليار دولار (المرتبة 58 عالميا)، ثم تأتي السنغال بـ 19.5 مليون نسمة و32.8 مليار دولار، ومالي بـ 26.2 مليون نسمة و26.8 مليار دولار، فيما تبقى موريتانيا الأصغر سكانيا واقتصاديا بـ 5.5 ملايين نسمة و10.9 مليارات دولار فقط (المرتبة 153 عالميا).
غير أن الصورة تتغير عند الانتقال إلى نصيب الفرد من الناتج المحلي، حيث تتقدم الجزائر بـ 5,753 دولارا (114 عالميا)، تليها المغرب بـ 4,218 دولارا (127 عالميا ثم موريتانيا بـ 2,110 دولارا (156 عالميا)، بينما تتراجع السنغال إلى 1,773 دولارا ومالي إلى 1,095 دولارا. 

وعند احتساب القوة الشرائية (PPP)، تتصدر الجزائر بـ 17,621 دولارا، تليها  المغرب بـ 10,415 دولارا ، ثم موريتانيا  بـ 7.369 دولارا، فالسنغال بـ 5,071 دولارا، ومالي بـ 3,315 دولارا.
في جانب الديون العامة، تتباين الصورة بشكل أكثر وضوحا؛ إذ تسجل الجزائر دينا يبلغ 129 مليار دولار بنسبة 48.1% من الناتج المحلي، بينما يرتفع في المغرب إلى 109 مليارات دولار بنسبة 67.7%، في حين تبقى موريتانيا عند مستوى أقل بكثير بـ 4.67 مليارات دولار فقط بنسبة 42.8%. 

وفي غرب إفريقيا، تتصدر السنغال قائمة المديونية الثقيلة بنسبة صادمة تبلغ 128.4% من الناتج المحلي (42.1 مليار دولار)، مقابل 51.7% في مالي (13.9 مليار دولار).
أما على مستوى النمو الاقتصادي، فتتقارب المؤشرات بين موريتانيا والسنغال، حيث تسجل الأولى 6.31% والثانية 6.06%، بينما تتراجع مالي إلى 4.99%. 

وفي شمال إفريقيا، يسجل المغرب والجزائر معدلات نمو متقاربة ضمن نطاق اقتصادين أكثر تنوعا وأكبر حجما.
وفي الإنفاق الحكومي، يظهر تباين في دور الدولة داخل الاقتصاد؛ إذ يبلغ في السنغال 33.5% من الناتج المحلي، مقابل 24.7% في مالي و23.6% في موريتانيا، بينما يرتفع نسبيا في الجزائر والمغرب ضمن نماذج تعتمد على حضور الدولة في القطاعات الاستراتيجية.
على مستوى العجز المالي، تتقدم موريتانيا من حيث التوازن، حيث لا يتجاوز العجز -1.35% من الناتج المحلي، مقارنة بـ -2.57% في مالي، و**-13.4% في السنغال**، و**-3.92% في المغرب**، و**-13.8% في الجزائر**، ما يعكس تفاوتا كبيرا بين دول المنطقة في إدارة المالية العامة.
وفي التضخم، تتراوح المعدلات بين الاستقرار والانكماش النسبي:
السنغال: 0.8%
موريتانيا: 2.49%
مالي: 3.2%
بينما تميل الجزائر والمغرب إلى مستويات أكثر استقرارا مقارنة ببلدان غرب إفريقيا.
أما في التجارة الخارجية، فتسجل مالي صادرات بـ 5.65 مليارات دولار، تليها السنغال بـ 5.52 مليارات، ثم موريتانيا بـ 3.83 مليارات. 

في حين ترتفع الواردات إلى 10.8 مليارات في السنغال، مقابل 5.73 مليارات في مالي و4.32 مليارات في موريتانيا، ما يعكس اتساع الفجوة التجارية لدى الاقتصادات الأكبر استهلاكا.
تظهر المقارنة هيمنة الجزائر والمغرب في شمال إفريقيا، مقابل كتلة اقتصادية في غرب إفريقيا تتقدم فيها السنغال ومالي مع اختلالات مالية واضحة، بينما تبدو موريتانيا اقتصادا صغيرا لكنه أكثر توازنا في الدين والعجز وأقوى نسبيا في نصيب الفرد، ما يضعها ضمن “اقتصاد هادئ” في محيط شديد التفاوت.

إذن تتمثل مكامن الضعف في اعتماد الاقتصاد الموريتاني على المواد الأولية (الحديد، الذهب، الصيد)، وضعف التصنيع والقيمة المضافة، ومحدودية التنويع وهشاشة سلاسل الإنتاج، إضافة إلى بطء الإصلاح الإداري وضعف بعض المؤسسات وتحديات الحوكمة والفساد. 

في المقابل، تمتلك موريتانيا نقاط قوة تشمل احتياطات واعدة من الغاز، وثروات معدنية، وموقعا استراتيجيا يربط شمال إفريقيا بغربها، وواجهة بحرية غنية، مع استقرار أمني نسبي. 

ويظل التحول نحو اقتصاد طاقوي تصديري مرهونا بحوكمة شفافة لعائدات الغاز، وتنويع الاقتصاد مسبقا، وتطوير البنية التحتية ورأس المال البشري.

 وتتمثل أبرز التوصيات في تسريع التنويع خارج التعدين، وتطوير الصناعات التحويلية، واستثمار الغاز في صناعات بتروكيميائية وطاقة منخفضة التكلفة، وتحسين مناخ الاستثمار ومحاربة البيروقراطية والفساد، وتعزيز الاندماج الإقليمي، والاستثمار في التعليم التقني والتكوين المهني.