بين الحملة والحقيقة.. ماذا وراء استهداف حنن ولد سيدي؟

كتب الأستاذ الشيخ أكار عبد اللطيف، منسق الشباب لحملة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بمدينة باسكنو في الانتخابات الرئاسية الأخيرة:
هناك حقائق لا تحتاج إلى كثير من الشرح. فعندما يعجز خصوم الدولة عن استهدافها مباشرة، يتجهون إلى استهداف أقوى رجالها وأكثرهم تأثيرًا، لأنهم يدركون أن النيل من الرموز هو أقصر الطرق لمحاولة إضعاف المؤسسات وزعزعة ثقة المواطنين فيها. ووزير الدفاع، حنن ولد سيدي، هو اليوم أحد أبرز هؤلاء الرجال. لم يصبح هدفًا للحملات الإعلامية والسياسية صدفة، بل لأنه عُرف بالحزم والصرامة وعدم المساومة في قضايا أمن الوطن، ولأنه وقف في وجه كل من اعتقد أن الدولة يمكن أن تُدار بالإملاءات أو الابتزاز. كما أنه من أقرب المقربين إلى فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، صديقك المخلص وخليله ووزيره للدفاع ورفيقه في السلاح، ولذلك فإن محاولة إضعافه ليست سوى محاولة لإضعاف النظام عبر استهداف أحد أقرب رجاله إليه وضربه في خاصرته. أما الرواية التي يجري الترويج لها، فلا تعدو كونها ادعاءات تستند إلى تصريحات وزير سابق في حكومة جمهورية مالي، أزعجه أن موريتانيا أقامت سدًا منيعًا في وجه الإرهاب المتمدد. وقد استندت تلك الادعاءات إلى وثيقة كيدية مهترئة مليئة بالمغالطات، ووأثبتت كل الجهات الغربية، إلى جانب الأمم المتحدة، زيف ما ورد فيها، وعرفت سببها لأنها لا ترقى إلى مستوى الدليل، ولا يمكن أن تتحول بمجرد تكرارها إلى حقيقة. ومن يعرف طبيعة المنطقة الحدودية يدرك أن السلاح الذي يتنقل فيها مصدره المعروف هو بؤر الفوضى في ليبيا والنيجر، عبر الشريط الحدودي الرخو الذي تنشط فيه الجماعات المسلحة، وليس موريتانيا التي عززت رقابتها على حدودها بصورة غير مسبوقة. ثم إن الحديث يدور عن أسلحة قديمة وخفيفة، ومن العبث محاولة إلصاقها بوزير دفاع يقود مؤسسة عسكرية بحجم الجيش الوطني، ويشرف على ملفات استراتيجية أكبر بكثير من أن تُختزل في مثل هذه الادعاءات الواهية. وأشهد بما رأيته بنفسي. فعندما زرت باسكنو منسقًا لحملة حزب الإنصاف، لفت انتباهي حجم الاحترام والقبول الشعبي الذي يحظى به الرجل. كان قريبًا من الناس، يستمع إليهم، ويلتقطون الصور معه  دون اعتراض منه اوتردد او حتى انه لا يسأل المستقبلين له من اي قبيلة او اي جهة ،كل ذلك بوجه طلق ورحابة صدر ولا يرد أحدًا، جامعًا بين التواضع وهيبة المسؤول، وبين الحزم وحسن الإصغاء. وهذه الصفات لا تُصنع بالدعاية، وإنما تبنيها المواقف. ستفشل هذه الحملات كما فشلت غيرها، لأن الحقيقة أقوى من الشائعات، ولأن الرجال الذين خدموا أوطانهم بإخلاص لا تهزهم رواية  بلا دليل، ولا حملة تُدار من خلف الشاشات الصغيرة عبر الذباب الإلكتروني المسخر للنيل من الخصوم ومصادر تلك الشائعات معروفة وغرضها واضح ..ومآلاتها فاشلة ..! حفظ الله موريتانيا ..جيشا وشعبا ووطنا.


وما كتبه الشيخ أكّار يستحق التوقف عنده، لا لأنه شهادة شخصية فحسب، وإنما لأنه يفتح النقاش على قاعدة أهم: في القضايا التي تمس الأمن الوطني وسمعة المؤسسات، لا يكفي أن تنتشر الرواية حتى تصبح حقيقة، ولا يكفي أن تتكرر الوثيقة حتى تتحول إلى دليل.
فحنن ولد سيدي ليس شخصية طارئة على المؤسسة العسكرية؛ إنه رجل أمضى عقودًا في الجيش، وتولى مواقع عسكرية وأمنية متعددة قبل وصوله إلى وزارة الدفاع. ومن ثم فإن تقييم تجربته ينبغي أن يتم على أساس أدائه وسجله وما يثبت عليه من وقائع، لا على أساس روايات مجهولة المصدر أو اتهامات تتناقلها المنصات.
كما أن طبيعة الحدود الموريتانية ـ المالية تجعل من غير المنطقي التعامل مع أي قضية تتعلق بالسلاح والتهريب باعتبارها ملفًا محليًا بسيطًا. فالمنطقة تعيش منذ سنوات على وقع نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب وتداخل المصالح والحدود، وهي بيئة معقدة تجعل التحقق من مصدر كل قطعة سلاح ومسارها ومسؤولية كل طرف عنها مسألة تحتاج إلى تحقيق حقيقي، لا إلى استنتاجات سياسية.
وهنا تكمن قوة الحجة: الادعاء شيء، والدليل شيء آخر.
ومن حق أي طرف أن ينتقد وزير الدفاع، ومن حق الصحافة أن تطرح الأسئلة الصعبة، ومن حق المعارضة أن تحقق في أداء السلطة؛ لكن ليس من حق أحد أن يستبدل التحقيق بالتشهير، أو يجعل من الشائعة حكما، أو يحول وثيقة غير موثقة إلى إدانة نهائية.
وليس المقصود من ذلك القول إن حنن ولد سيدي فوق النقد، أو أن كل ما يقال ضده باطل. فالمسؤول العام ليس فوق المساءلة، وحق الناس في السؤال والاختلاف والنقد لا يحتاج إلى تبرير. لكن الاتهامات، خصوصًا حين تكون خطيرة وتمس مسؤولًا عن مؤسسة سيادية، تحتاج إلى ما هو أكثر من التداول؛ تحتاج إلى وقائع قابلة للتحقق.
فالرواية لا تصبح حقيقة لأنها تكررت، والوثيقة لا تصبح حجة لمجرد أنها نشرت، والحملة لا تصبح تحقيقا صحفيا لمجرد أنها حظيت بانتشار واسع، كما لا ينبغي أن تتحول الخصومة السياسية إلى إدانة مسبقة. 

الطريق الأكثر أمانًا هو أن تترك الوقائع مكانها، وأن تقدم الأدلة إن كانت موجودة، وأن تقوم المؤسسات المختصة بدورها في التحقق والمساءلة والرد.
ذلك أن القضية، في النهاية، لا تتعلق بشخص حنن ولد سيدي وحده. حين يكون المستهدف وزيرا للدفاع، فإن أي اتهام غير مسؤول قد يتجاوز الشخص إلى المؤسسة التي يمثلها، وقد يترك أثرا على صورة الدولة وثقة المواطنين بها.
ولهذا تبدو الحاجة اليوم أكبر إلى الهدوء والدقة، لا إلى مزيد من الضجيج. فموريتانيا ليست بحاجة إلى حملات لتدافع عن مؤسساتها، كما أنها ليست بحاجة إلى التشهير بخصومها حتى تثبت قوة دولتها. 
وفي نهاية المطاف، قد تتغير الروايات، وتتبدل الحملات، وتختفي منشورات كثيرة من ذاكرة الإنترنت، لكن ما يبقى هو ما يمكن إثباته.