شهدت القارة الأفريقية خلال عامي 2025 و2026 موجة غير مسبوقة من التعديلات الدستورية والقوانين الاستثنائية، تلتقي جميعها عند هدف واحد: تمديد بقاء الحكام في السلطة، سواء كانوا رؤساء مدنيين تجاوزوا عقودا في الحكم، أو عسكريين وصلوا عبر انقلابات وتعهدوا في البداية بتسليم السلطة للمدنيين ثم تراجعوا عن ذلك.
وتضم أفريقيا أطول حكام العالم بقاء في السلطة: أوبيانغ نغويما في غينيا الاستوائية (47 عاما منذ 1979)، وبول بيا في الكاميرون (44 عاما منذ 1982)، ودينيس ساسو نغيسو في الكونغو (43 عاما إجمالا)، ويوري موسيفيني في أوغندا (40 عاما منذ 1986)، وأسياس أفورقي في إريتريا (33 عاما منذ 1993).
ومن غرب القارة إلى وسطها وقرنها الأفريقي، تكررت السيناريوهات ذاتها: تعديل يمدد مدة الولاية، أو يلغي سقفها، أو يرفع الحد العمري للترشح، أو يفتح الباب أمام قادة الانقلابات للترشح رغم التزامات سابقة بعدم فعل ذلك.
في غينيا كوناكري، صوت الناخبون في 21 سبتمبر 2025 على دستور جديد من نحو 199 مادة أعده المجلس العسكري الحاكم بقيادة الجنرال مامادي دومبويا، وسط دعوات معارضة للمقاطعة، لكن السلطات أعلنت نسبة مشاركة بلغت 91%.
رفع الدستور الجديد مدة الولاية الرئاسية من خمس إلى سبع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وحدد سن الترشح بين 40 و80 عاما، وهو ما يلائم عمر دومبويا تحديدا، والأهم أنه ألغى القيد الذي كان يمنع أعضاء المجلس العسكري من خوض الانتخابات.
وكان دومبويا قد أقسم عند استيلائه على السلطة في أكتوبر 2021 على عدم الترشح مطلقا، لكنه تقدم بأوراق ترشحه في 4 نوفمبر 2025، وفاز في الجولة الأولى من انتخابات 28 ديسمبر بعدما أقر أربعة من منافسيه الثمانية بالهزيمة له، في وقت منع فيه الرئيس المخلوع ألفا كوندي ورئيسا وزراء سابقين من الترشح.
النموذج ذاته تكرر بصيغة أكثر تشددا في مالي المجاورة. فبعدما تعهد المجلس العسكري بقيادة الجنرال أسيمي غويتا، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلابين متتاليين عامي 2020 و2021، بالعودة إلى الحكم المدني في مارس 2024، تراجع عن ذلك بالكامل.
فبعد مشاورات وطنية قاطعتها معظم الأحزاب السياسية، أقر المجلس الوطني الانتقالي المعين من الجيش، المكون من 147 عضوا، في 3 يوليو 2025 قانونا يمنح غويتا صفة رئيس الجمهورية -لا رئيس انتقالي- لولاية مدتها خمس سنوات قابلة للتجديد "بقدر ما يلزم" ومن دون تنظيم أي انتخابات، وهو ما يبقيه في السلطة حتى عام 2030 على الأقل.
ورافق ذلك حل الأحزاب السياسية وتشديد قواعد إنشائها، في وقت تتصاعد فيه هجمات الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش في البلاد.
وفي بوركينا فاسو، اتفق المشاركون في حوار وطني عقد في واغادوغو في مايو2024 على تمديد حكم النقيب إبراهيم تراوري، الذي استولى على السلطة بانقلاب في سبتمبر 2022، مدة خمس سنوات إضافية اعتبارا من يوليو من العام نفسه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أقر تراوري لاحقا حظرا شاملا على الأحزاب السياسية ومصادرة أصولها، وصرح في لقاء تلفزيوني بأن على مواطنيه "نسيان" مسألة الديمقراطية لأنها "تؤدي إلى القتل"، معتبرا التحديات الأمنية أولوية تفوق أي استحقاق انتخابي.
أما في وسط أفريقيا، فتبرز جمهورية الكونغو الديمقراطية كساحة الجدل الأبرز حاليا.
فالدستور الحالي، الصادر عام 2006، يحصر الرئاسة في ولايتين فقط مدة كل منهما خمس سنوات، ويمنع صراحة أي مراجعة لهذا الحد.
ومنذ مارس2026 تكثفت التسريبات عن نقاشات داخلية لفتح الباب أمام ولاية ثالثة للرئيس فيليكس تشيسيكيدي، الذي تنتهي ولايته الثانية نهاية 2028.
وفي 15 و16 يونيو 2026 أقر مجلسا الشيوخ والنواب مشروع قانون يمهد لاستفتاء على دستور جديد لا تحتسب بموجبه ولايات تشيسيكيدي السابقة، أي إعادة عقارب الساعة إلى الصفر، متجاوزا بذلك الحظر الدستوري الصريح بذريعة "خلل وظيفي كبير" يشل مؤسسات الدولة.
وقوبلت الخطوة باحتجاجات عنيفة في كينشاسا وإدانة من المعارضة ومن شخصيات وطنية بارزة من بينها الحائز على جائزة نوبل للسلام دنيس موكويغي، فيما عاد الرئيس السابق جوزيف كابيلا -المحكوم عليه غيابيًا بالإعدام في سبتمبر 2025- للدعوة إلى إسقاط النظام.
وفي يوليو 2026 أعلن تشيسيكيدي تنظيم حوار وطني، فيما لم يحدد بعد موعد أي استفتاء.
وفي جمهورية أفريقيا الوسطى، كان المسار قد اكتمل بالفعل: ففي استفتاء يوليو 2023 صوت نحو 1.9 مليون ناخب مسجل على تعديلات ألغت سقف الولايتين الرئاسيتين ورفعت مدة كل ولاية من خمس إلى سبع سنوات، مؤسسة لما يعرف بـ"الجمهورية السابعة".
هذا التعديل هو ما أتاح للرئيس فوستان أركانج تواديرا، الذي انتخب أول مرة عام 2016 وأعيد انتخابه عام 2020 في ما كان يفترض أن يكون ولايته الأخيرة، الترشح لولاية ثالثة في الانتخابات العامة التي جرت في 28 ديسمبر 2025.
وفي الكاميرون، لم تكن هناك حاجة لتعديل جديد، فالرئيس بول بيا كان قد ألغى أصلا سقف الولايات الرئاسية منذ عام 2008.
وفي 12 أكتوبر 2025 أُعيد انتخابه، عن عمر 92 عاما، لولاية رئاسية ثامنة مدتها سبع سنوات بحصوله على 53.66% من الأصوات مقابل 35.19% لمنافسه عيسى تشيروما باكاري الذي وصف الانتخابات بأنها "مهزلة" وأعلن فوزه بنفسه.
ويحكم بيا البلاد منذ عام 1982 دون أن يخسر انتخابا واحدا، وقد يظل في السلطة حتى قرب عامه المئة، وهو ما فجر احتجاجات عنيفة في مدينة دوالا أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل بحسب مصادر محلية.
نموذج مشابه شهدته ساحل العاج، حيث أعلن الرئيس الحسن واتارا في 29 يوليو2025 ترشحه لولاية رابعة، مستفيدا من إقصاء أبرز منافسيه، الرئيس السابق لوران غباغبو ورئيس الحكومة الأسبق تيجان ثيام، بقرارات قضائية تتعلق بالجنسية وأحكام سابقة.
وفي انتخابات 25 أكتوبر 2025، التي شهدت مقاطعة معارضة ومقتل نحو عشرة أشخاص في أعمال عنف متفرقة، أعيد انتخاب واتارا بأغلبية ساحقة وسط نسبة مشاركة قاربت 50%، رافضا الائتلاف المعارض الاعتراف بشرعية النتيجة.
وفي جيبوتي، اتبعت السلطة أسلوب رفع سقف السن بدل مدد الولاية: فبعدما ألغى تعديل عام 2010 أصلا القيد على عدد الولايات، صوت البرلمان بالإجماع (65 عضوا) في 26 أكتوبر 2025 على إلغاء الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة، والمحدد سابقا بـ75 عاما، قبل أن يصادق على التعديل نهائيا في 2 نوفمبر من العام نفسه.
وأتاح ذلك للرئيس إسماعيل عمر جيله، الحاكم منذ عام 1999 والبالغ من العمر 78 عاما، الترشح والفوز في 10 أبريل 2026 بولاية سادسة حصل خلالها على 97.8% من الأصوات مقابل 2.2% فقط لمنافسه الوحيد.
أما توغو فقدمت الصيغة الأكثر تعقيدا من بين هذه الحالات، إذ لم تلجأ إلى تمديد ولاية الرئاسة بل إلى تفكيك النظام الرئاسي بالكامل.
ففي أبريل 2024 أقر البرلمان، الذي يهيمن عليه حزب الرئيس فور غناسينغبي (حكم البلاد منذ عام 2005 خلفًا لوالده الذي حكم نحو أربعة عقود)، تعديلات دستورية حولت البلاد من نظام شبه رئاسي إلى نظام برلماني.
وبموجب الدستور الجديد الذي دخل حيز التنفيذ في مايو 2025، أصبح رئيس الجمهورية منصبا شرفيا ينتخب من البرلمان لأربع سنوات، فيما استحدث منصب "رئيس مجلس الوزراء" بصلاحيات تنفيذية واسعة لمدة ست سنوات قابلة للتجديد بلا حدود، يشغله زعيم حزب الأغلبية البرلمانية.
وقد أدى غناسينغبي اليمين في مايو 2025 رئييا لمجلس الوزراء بعدما فاز حزبه بـ108 من 113 مقعدا (95.5%) في انتخابات تشريعية سابقة، بينما عين جان-لوسيان سافي دي توفي (86 عاما) رئيسًا للجمهورية بصلاحيات رمزية.
ووصفت المعارضة، التي نظمت احتجاجات أسفرت في يونيو 2025 عن مقتل سبعة أشخاص واعتقال ستين آخرين، هذا الترتيب بـ"الانقلاب الدستوري" الذي قد يبقي غناسينغبي في السلطة إلى ما لا نهاية.
عبارة "الانقلاب الدستوري" ذاتها استخدمتها المعارضة في زيمبابوي، بعدما صادق مجلسا النواب والشيوخ خلال يونيو 2026 على حزمة تعديلات ترفع مدة الولاية الرئاسية والبرلمانية من خمس إلى سبع سنوات، بتصويت 226 صوتا مقابل 41 في مجلس النواب، تمهيدا لتوقيعها من الرئيس إيمرسون منانغاغوا (83 عاما).
وفي تشاد، اقترن تعديل دستوري مماثل يمدد الولاية الرئاسية بأحكام سجن صدرت بحق معارضين بارزين، بحسب ما وثقته تقارير إعلامية عن أوضاع القارة خلال 2025.
وفي غرب أفريقيا أيضا، أقرت الجمعية الوطنية في بنين في 15 نوفمبر 2025، بأغلبية 90 صوتا مقابل 19، تعديلا دستوريا واسعا يرفع مدة الولاية الرئاسية والتشريعية من خمس إلى سبع سنوات اعتبارا من انتخابات 2026 (مع الإبقاء على سقف ولايتين)، وينشئ لأول مرة مجلسا للشيوخ يضم 25 عضوا على الأقل من بينهم الرؤساء السابقون. وسيغادر الرئيس باتريس تالون منصبه في أبريل 2026 بعد عشر سنوات في الحكم، وسط توثيق منظمات حقوقية دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، لتصاعد القيود على الاحتجاجات والاعتقالات التعسفية، وبعد أسابيع من إحباط محاولة انقلابية في ديسمبر 2025 بمساعدة قوات نيجيرية وتدخل فرنسي.
وفي غانا، وافقت الحكومة مبدئيا في أغسطس 2026 على تمديد ولاية الرئيس والبرلمان من أربع إلى خمس سنوات، مؤكدة أن التعديل، إن أُقر، سيطبق على الرؤساء والبرلمانات المقبلة فقط دون الرئيس الحالي جون دراماني ماهاما.
وإلى جانب مسار "الشرعنة عبر صندوق الاقتراع"، برزت مسارات أخرى لتبييض الانقلابات: ففي الغابون عاد المجلس العسكري الحاكم إلى صفوف الاتحاد الأفريقي بعد إصدار عفو شامل عن المتورطين في انقلابات سابقة، رغم جدل واسع حول نزاهة الانتخابات اللاحقة وإدانات قضائية طالت شخصيات معارضة بارزة.
وفي المقابل، أظهرت مدغشقر أن مسار الانقلاب العسكري التقليدي لا يزال قائما بالتوازي مع "الانقلابات الدستورية"، بعدما أطاح الجيش بالرئيس إثر ثورة شبابية واسعة خلال عام 2025.
ويجمع الباحثون في الشأن الأفريقي بين أدوات متعددة استخدمت في كل هذه الحالات: الاستفتاءات الشعبية التي تنظم في مهل قصيرة وتقاطعها المعارضة لكنها تسجل بنسب مشاركة مرتفعة رسميا، وتحييد المنافسين الجادين عبر القضاء أو شروط الترشح، وتضييق مساحة الاحتجاج والإعلام، إلى جانب توظيف خطاب "الأولوية الأمنية" في مناطق الساحل لتبرير تأجيل الاستحقاقات الانتخابية إلى أجل غير مسمى. وبينما نجحت كوناكري في تنظيم انتخابات أعادت عسكرها إلى السلطة بزي مدني، ظلت مالي وبوركينا فاسو والنيجر غارقة في تمديد صريح للحكم العسكري دون أي استحقاق انتخابي منظور، في وقت تتوسع فيه دوائر الجدل الدستوري لتطال حتى الديمقراطيات التي كانت تصنف نموذجية في المنطقة، مثل بنين وكوت ديفوار وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
ومع اتساع قائمة الدول التي أعادت رسم قواعد البقاء في السلطة، يبقى السؤال الموريتاني معلقا: هل تنضم نواكشوط إلى القائمة، أم يخرج حوارها الوطني بمسار مختلف؟ وما الذي يدور في حسابات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تجاه ما بعد ولايته الثانية؟
