المفتش محمد فال محمد اطفل يكتب

في دول المشرق العربي مثل العراق وسوريا ومصر يختلط العربي بالآشوري،والفرعوني والكردي وبغيرهم من المكونات الأخرى،وذات الاندماج العرقي يمكن ملاحظته في تركيا وإيران،وفي شيه الجزيرة العربية لايمكن التمييز بين العرب والأرقاء السابقين،وفي المغرب والجزائر المجاورتين يتعايش الأمازيغ والعرب كأبناء شعب واحد في غياب تام للخصومة المتعلقة بالتاريخ والجذور والأنساب،وعلى ضفة المتوسط الأخرى الأوروبيون من أصول لاتينية يتعايشون جنبا إلى جنب مع الأوروبيين من أصول افريقية وعربية وآسيوية مهاجرة،فلا خطاب هوياتي ولاشحن،ولادعوة إلى التمايز والإصطفاف على أساس اللون والانتماء العرقي.
وفي بلدنا موريتانيا تبدو المسألة أبسط بكثير فكيف ولماذا؟.
هناك فقط مكونتان: المكونة العربية الإفريقية ذات الجذور المتشابكةفي أعماق الصحراء والساحل، وذات اليد واللسان والوجه والوجدان الواحد،والمكونة الإفريقية التي تتقاسم مع شقيقتها العربية الأرض والتاريخ المشترك والإسلام السني،والقيم الثقافية والروحية،والإنتماء للدولة الوطنية الجامعة.
المكونة العربية نفسها اكتسبت عروبتها من خلال البعد الثقافي والقيمي واللسني،وليس من خلال الإنتماء السلالي المشترك،فالكثير من القبائل الموريتانية تنحدر من أصول صنهاجية وبربرية وليست عربية،وأكبر إمارة حكمت خلال فترة ماقبل نشأة الدولة الوطنية كانت صنهاجية.
إذن السكان الأصليون(الأمازيغ والبربر) اندمجوا ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا مع المكون العربي الحساني الوافد وانصهر الجميع ككل واحد عربا وبربرا في بوتقة واحدة،وضمن هذ الكل تدخل شريحة الأرقاء السابقين (لحراطين)الذين كانوا يشكلون جزء لايتجزأ من القبائل التي ينتمي إليها أسيادهم السابقون،وكانوا بحكم سياقات تاريخية واجتماعية واقتصادية ودينية معررفة يصنفون كمماليك مع مايترتب على ذلك من دونية في الهرم الإجتماعي وجهل واستغلال.
حل إشكالية العبودية بدأ على الصعيد الرسمي من خلال حراك سريع أفضى إلى إلغائها وتحريمها وتجريمها عبر سلسلة قوانين وإجراءات رسمية وآليات قضائية مرافقة لإنفاذ القوانين وملاحقة حالات الإسترقاق التي تلاحظ هناوهناك، وقد آتت أكلها في وقت مبكر،فاختفت العبودية تماما بشهادة الجميع وكان من الطبيعي أن يحدث ذلك،فالدولة كانت جادة وصارمة ومتعاونة في تتبع ومعاقبة حالات الإسترقاق التي يتم الكشف عنهاهنا أو هناك،والرأي العام نفسه مناهض للظاهرة الإجتماعية ،والمراجعات والفتاوي الفقهية كشفت بطلانها ومصادمتها للإسلام شريعة وروحا.
هل إلغاء الرق وتجريمه يعتبر كافيا لحل المشكلة؟.
نحن نتحدث عن ظاهرة اجتماعية معقدة ومركبة ومعنى ذلك أن لها أبعادا وتداعيات وآثارا ومخلفات اجتماعية يتعين معالجتها عبر استراتيجيات وخطط تقوم على فلسفة التمييز الإيجابي لمن غبنوا وتخلفوا عن الركب تاريخيا،وتوفير تعليم عمومي جيد يركز على استقطاب الأطفال الذين هم في سن التمدرس مع تخصيص مصاريف وإعانات مالية للأسر الأكثر هشاشة من أجل تعليم أطفالهم بمايضمن لهم رتبا مميزة تمكنهم من الولوج إلى كلبات الهندسة والطب ومعاهد الرقمنة والحوسبة،بالإضافة إلى توسيع فرص النفاذ إلى الدورة الإقتصادية وخلق رأس المال بواسطة التمويلات الصغيرة والمبادرات المنتجة وتبني ودعم المشاريع التي تقوم على أفكاراقتصادية بعيدا عن التربح المجاني من خلال صفقات الدولة وتبييض الأموال.
نعلم أن الدولة تتبنى هذه المقاربة الإندماجية من خلال آليات عديدة مثل التآزر والمدرسة الجمهوربة،لكن تطوير المشروع بما يؤدي إلى إعادة تأهيل المستهدفين وتكوينهم والتمكين لهم عبر خلق موارد متجددة يعد ضرويا،ضف إلى ذلك الحاجة الملحة إلى التأطير والإرشاد ،فالمسألة ليست أن أعطيك سمكة كل يوم وإنما أن أعلمك كيف تصطاد السمك بنفسك،فمن بين الإشكالات الكبرى المطروحة أن شريحة واسعة من المجتمع لديها القدرة على الإناج والاستعداد له وقد توارث أبناؤها عادات العمل لكنهم يفتقدون روح الترشيد والتسيير المعقلن لعائداتهم من العمل فيعجزون عن تأمين مدخرات للسكن والدراسة والاستثمار في الأصول وبذلك لايكون للعمل الذي يمارسون والدخل الذي يجنون أثر استراتيجي يذكر على حياتهم.
إن باعة الوهم وأصحاب الخطاب الشرائحي المتشنج وذوي النزعات العنصرية الضيقة سيفقدون بضاعتهم ويخسرون الأرضية التي يقفون عليها بمجرد تركهم ومايقولون، والتوجه مباشرة إلى المواطنين في مدنهم وأحزمتهم وقراهم وأريافهم تحت مظلة خطة إنماء ومعالجة مدروسة ومستدامة ومصممة وفق مقاربة علمية وتبعا لمعايبراقتصادية واجتماعية تضمن تحقيق النتائج المرجوة منها.
        المفتش محمدفال ولد امحمداطفل.
        مكلف بمهمة في وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي.